تقرير بحث السيد الخميني للنگرودي
172
جواهر الأصول
وليعلم أوّلاً : أنّ تقسيم الإرادة إلى التكوينية والتشريعية لا يخلو عن تسامح ؛ لأنّ كلّ تقسيم لابدّ وأن يكون للاختلاف في ذات الشيء وحقيقته ، وإلاّ يتمكّن تقسيم الشيء إلى أقسام غير متناهية ؛ لأنّ الإرادتين لم تختلفا هويةً ؛ فإنّ الإرادة التشريعية عبارة عن إرادة جعل القانون ، والجعل فعل تكويني للمقنّن ، نظير سائر أفعاله الاختيارية ؛ من الأكل والشرب وغيرهما ، من دون تفاوت أصلاً . فلم تفترق ذات الإرادة التشريعية عن ذات الإرادة التكوينية ، ولا يكون اختلاف في حقيقتي الإرادتين ، كما يوهمه ظاهر التقسيم . وإنّما الاختلاف بينها في المتعلّق ؛ لأنّه إذا كان متعلّق الإرادة حكماً شرعياً قانونياً ، فيسمّونها إرادة تشريعية ، وإن كان غيره من الأُمور التكوينية فيسمّونها إرادة تكوينية . فبعدما ظهر لك عدم الاختلاف في حقيقتي الإرادتين فالأولى أن يقال : إرادة التشريع وإرادة التكوين ، لا الإرادة التشريعية والإرادة التكوينية ، كما لا يخفى . فإذا تبيّن لك ما ذكرنا فواضح : أنّ كلّ فعل اختياري - كالأكل والشرب وغيرهما - إنّما يصدر عنّا بعد تصوّره والتصديق بفائدته والاشتياق نحوه أحياناً ، ثمّ الإرادة المحرّكة نحوه . وواضح : أنّ المتصوّر أوّلاً قد يكون فيه من حيث هو هو مصلحة ، وقد لا يكون فيه صلاح إلاّ إذا قيّد بقيد وشرط خاصّ . مثلاً : قد يكون لإكرام العالم نفسه مصلحة ، وقد لا يكون فيه صلاح إلاّ إذا قارن علمه بالعدالة مثلاً ، فكما أنّ إرادة إكرام العالم نفسه مسبوقة بتصوّرها - مثلاً - فكذلك إرادة إكرام العالم مقيّداً بالعدالة مسبوقة بتصوّرها . وواضح : أنّه لا يتوقّف إرادة إكرام العالم أو مقيّداً بالعدالة ولا سائر مبادئها إلى وجود العالم أو العالم العادل في الخارج ، بل قد تتعلّق بهما الإرادة ، وإن لم تكن لهما في